arablog.org

داء التعوّد !

أمجد رسمي

أحيانًا يجبُ أن تستدعي الكثير من الأفكار و تضعها فوق غربال الجدوى لتتمكن من التسلـُّل إلى مساحة الاهتمام لدى القرّاء المحليين ، يريد أحدنا أن يكتب نصًا فلسفيًا ممتعًا فيعود مثقلًا بهم السخرية التي قد يلتحف بها مساءً بعد أن يعرض نصّه على العامة المشحونين بهموم الكهرباء والماء والميزانية  والهيكلة والإرهاب .

تفكّرُ في أن تعرض وجهة نظرك وما تحتضنه ذاكرتك ورؤيتك اليومية في مجالك؛ فيتناولكَ الآخرون بجاهزيةٍ منتصبة للهجوم أيًا تكن نواياك، تود أن تتشارك وإياهم في قضم تفاحة العاطفة أو أن تغازل برويّة متعمدة أهداب اللغة؛ فيصيبك يأس العداء المزمن بين الثقافة والأدب والقصد من وراء شراء جريدة.

الفضاء الحر مساحة رائعة للتصرف بلؤم تجاه الإنتاج الفكري، سيكونُ عليك أن تضع أعصابك ودرجة اكتراثك بالمرجوع التفاعلي مع ما تكتب في الثلاجة بعد فترة ليست طويلة من ممارسة النشر في الصحف أو المواقع، لا أقول أن تدّعي كمالية ما تكتب أوأن تغض النظر عن الملاحظات البنّاءة , لكن أن تتحلى بقدرٍ وفيرٍ من الصبر على المقاومة، مقاومة الفعل الإيجابي الذي قد تود استعراضه أو البدعة المحبّبة في تحريك المياه الآسنة التي قد تنتويها.

في العُرف : الخطأ يحدث بمباركات جماعية أما الصواب يطوف وحيدًا، أو كما يدعي الدعاة ” الاجتماع على الخطأ خير من الافتراق على الصواب “.

يعاني المبدعون دومًا من الإجهاد في محاولة انتزاع الرضا من بين فكي التعوّد، الأفكار الجديدة دائمًا ما تكون محل شبهة، ليست هي بمفردها بل هي وأصحابها .

يدرك هذا المُجدّدون عبر الزمن، هناك من يطوون أعمارهم تحت قدمي فكرة واحدة يقتنعون بها ويرصدون لأجلها جماجمهم ، وهناك من يقضي عمره في هدم كل جديد ويُسخِّر لذلك كل مقدراته ،القدرة على الهدم موهبةٌ أيضًا ؛ في إتجاه مغاير، و هي رائجة جدًا بالمناسبة، ليست بالمعدومة ولا بالممنوعة،

كما ينضوي تحت هذه الإضاءة الأم كثيرٌ مما يغري الأصوليين من ابتداعات تنافي المنطق في محاولة محاربة البدعة , كأن يكلف عباد الله المختارون أنفسهم بممانعة الأشياء لأجل الممانعة نفسها ؛ يشبه تمامًا ما ينتجه غيرهم من ممارسات في محاربة الإبداع المختلف فقط لأنه لم يصدر عنهم أو عن جهة يحبذونها .
ليت هذا القدر من المقاومة و الممانعة يُردم بمحاذاة التعوّد على الاستلاب المنظّم لأدنى معايير الحقوق المعيشية التي نتجاوزها يومًا بعد الآخر؛ لكل هذه السنوات الممتدة دون أن نحرك ساكنًا.

أقول هذا من دواعي التجربة، السلبية الهائلة التي نخزنها تجاه حقوقنا المهدورة تقتلنا، لكن هذه الطاقة المخزونة من الحنق تتحوّل بطريقة أو بأخرى إلى عدوانية فردية ، إلى شخصنة، إلى تخوين ، إلى إرث كبير من الخلط بين الأشياء، إلى حرب للنوايا ،إلى صرخة عنجهية مدوية في رأس كل فرد مفادها ” أنا وحدي دولة “!
بالتالي سيكون من المرير و المحبط للغاية محاولة أن تمرر رسالة أو نصيحة أو دعوة للتغيير أو فكرة مُتبَنَاة لسيادة هذا الإنسان ” الدولة “!

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *